عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

189

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

والأمثال السائرة حتى كأن جميع العلوم ممثلة بين عينيه يختار منها الذي يريد ولا يعدل عن شيء إلا إلى ما هو خير منه وكان مولعا بشرب القهوة ليلا ونهارا وكان يطبخها بيده ولا يزال قدرها بين يديه وقد يجعل رجله تحتها في النار مكان الحطب وكان كلما أتى إليه من النذور إن كان من المأكولات طرحه فيها وإن كان من غيرها قذفه تحتها من ثوب نفيس أو عود أو غير ذلك وقيل إن عامر بن عبد الوهاب السلطان بعث إليه بخلعة نفيسة فألقاها تحتها فاحترقت فبلغ ذلك السلطان فغضب وأرسل يطلبها منه فأدخل يده في النار وأخرجها كما كانت ودفعها إليهم وقد أشار إلى هذا الشيخ عبد المعطي ابن حسن باكثير في موشحته التي عارض فيها شيخ الإسلام أبا الفتح المالكي وكلاهما قد مدح القهوة فقال : قهوة البن جل مقصودي * في الخفا والعلن هام فيها إمامنا السودي * قطب أهل اليمن وطبخها بالند والعود * وبغالي الثمن من ثياب حرير مع قطن * فاخر الملبس وبذاكم خوارق تثنى * عليه لم تدرس ولما طرأ عليه الجذب صدرت عنه أمور وكرامات تدل على أنه من العارفين بالله تعالى وأخذ ينظم حينئذ فإنه ما وقع له نظم إلا بعد الجذب حتى حكى أنه ما كان يقوله إلا في حال الوارد مثل ابن الفارض فكان يكتب بالفحم على الجدران فإذا أفاق محى ما كان كتبه من ذلك فكان فقراءه بعد أن علموا منه ذلك يبادرون بكتب ما وجدوه من نظمه على الجدران فيجمعونه وحكى أن بعض المنشدين أنشد بين يديه قصيدة من نظمه فطرب لها وتمايل عليها ثم سأل عن قائلها فقيل أنها من نظمك فأنكر ذلك وقال حاشا ما قلت شيئا حاشا ما قلت شيئا ومن شعره الرائق